• ×

السبت 12 محرم 1440 / 22 سبتمبر 2018

التاريخ 01-12-35 02:19 مساءً
الصداقة بين الصدق والادعاء
* الصديق عملة نادرة فعلا، ولهذا قال العرب انه من المستحيلات الثلاث. وعندما يريدون وصف شيء مستحيل يقولون أنه (من رابع المستحيلات) قال الشاعر:
لمّا رأيتُ بَني الزّمانِ وما بهِم خلٌّ وفيٌّ للشدائدِ أصطفي
أيقنتُ أنّ المستحيلَ ثلاثة ٌ: الغُولُ والعَنقاءُ والخِلّ الوَفي (اقتباس)

الخل الوفي هي احد اساطير العرب وهي من المستحيلات الثلاث : الغول والعنقاء والخل الوفي
أسطورة الخل الوفي تعني ان وجود الصديق الوفي المخلص لك اكثر من نفسه لا يمكن ان يوجد، أي أنه أسطورة. هذه النظرة للصديق الخل الخليل لا يمكن ان تستقيم أصلا، إذ أن الصديق، وهو إنسان أيضا، يجب أن يكون له حياته الخاصة ومشاعره ومتطلباته، قد تتعارض أو لا تتماشي كليا أو جزئيا مع من يصادق وإن صدقه.

نحن لا نختار من نُحب، ولكننا نختار من نُصادق، تبدأ الصداقة بقرار، وبقرار تنتهي. والصداقة من الصدق؛ ولكن أساسها الثقةُ المُتبادلة، ثم اعتبارات أخرى؛ تختلفُ من صداقة لصداقة ومن صديق لصديق؛ فليستْ كل الصداقات ناجحة، كما ليس كل الأصدقاء في منزلة واحدة؛ فمنهم الصديق الصدوق، ومنهم ما دون ذلك؛ وصولاً إلى مرتبة العديق، وهو الصديق العدو أو العدو الصديق. وإنْ كانت السيطرة للقلب في حالات الحب، وكان العقل هو المهيمن في علاقات أخرى؛ كالزمالة مثلاً ؛ فإن الحال في الصداقة تقوم على موازنة دقيقة بين العقل والقلب؛ فلا غلبة للعقل على حساب العاطفة، كما لا غلبة للعاطفة على حساب العقل، وفي الصداقة شيء من الحب، أو هي -في جوهرها- شكل من أشكال الحب؛ إلا أنه الحب فيها مختلف في مفهومه وطبيعته، فهو -في الصداقة- أعمّ وأشمل وأرحب، وهو حب إنساني بحت، واجتماعي في المقام الأول؛ حب سامٍ ورفيع وسوي وقويم ونقي وسليم، ويكون بين أبناء الجنس الواحد، كما يكون بين أبناء الجنسين المختلفين؛ يُصادق الرجلُ الرجلَ، وتُصادق المرأةُ المرأةَ، ويُصادق الرجلُ المرأةَ والمرأةُ الرجلَ، كما يصادق الكبيرُ الصغيرَ والصغيرُ الكبيرَ؛ فباب الصداقة كبير وواسع ومفتوح على مصراعيه. وقد تتطور الصداقة بين الرجل والمرأة إلى حب، إن لم تلتزم بضوابط الصداقة وحدودها، ولكنها لا تعود -غالباً- إلى وضعها السابق بعد تطورها، وغالباً يضع الحبُّ الفاشل نهاية لها.
ولأنه الإنسان بطبيعته وفطرته مخلوق اجتماعي فلا غنى له عن الصداقة والأصدقاء مهما كابر وعاند وتمنَّع وترفَّع، إذا لا يُمكنه أن يعيش وحيداً ومنعزلاً ومنقطعاً عن الناس وقابعاً في قوقعته أو قمقمه، لا بد له من أن يتصل وأن يتواصل مع البشر، ومن هذا الاتصال والتواصل قد تنشأ الصداقات العابرة أو الدائمة العميقة أو السطحية الصادقة أو الكاذبة، وقد يرزقه الله بالصديق الصدوق الذي يكون ذخراً له بعد الله- وسنداً ونصيراً وعوناً على نوائب الدهر وعثراته وتقلباته وعلى تغيُّر الناس عليه واختلافهم وتحوُّلهم عنه؛ فالصداقة الحقيقة كنز نفيس لا يُقدَّر بمال ولا متاع، والصديق الحقيق نعمة من الله ورزق عظيم وخير وفير، ومحظوظ هو من حظي بصديق صادق صدوق مخلص وفيٍّ نقي تقي؛ يُؤانسه ويُؤازره ويُواسيه ويُسانده ويُناصره ويذود عنه في غيبته ويحفظ وجهه ويدفع عن عرضه ويصون سمعته وكرامته ويبذل من أجله ولا يبخل عليه. أما أصدقاء المصلحة والمرحلة؛ فلا نفع منهم ولا خير فيهم ولا رجاء، كالحرباء يتلوّنون، وكالثعلب يراوغون إذا ما دعت إليهم الحاجة أو ألجأتنا الحالة أو أجبرتنا الظروف لا يعرفون الشرف ولا النَّخوة ولا المروءة ولا الشجاعة ولا الشهامة، ولا يقدِّرون العِشْرة ولا الصحبة، ولا يثمر فيهم الإحسان ولا المعروف، ولا ينفعُ معهم الصفح ولا العفو، وليس فيهم عزَّة ولا رفعة، بعيدون كل البعد- عن الوفاء والنقاء والتضحية والإيثار، وقريبون دائماً- من مصالحهم الذاتية وأغراضهم الدنيوية وأطماعهم الآنية وجشعهم الفاضح وأنانيتهم الفجَّة. وهؤلاء داء ووباء وابتلاء؛ لا يجدي معهم غير الإعراض والصدِّ والبتر ؛ واستئصالهم من جذورهم راحة، البعد عنهم غنيمة، والسلامة من شرورهم مكسب وفوز عظيم. ورحم الله الإمام الشافعي إذ قال:

"سلام على الدنيا إذا لم يكن بها :: صديق صدوق صادق الوعد مُنصفا".


ثم سلام على الأصدقاء الأوفياء الأنقياء .

تعليقات 0 إهداءات 0 زيارات 14.2K
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +4 ساعات. الوقت الآن هو 08:14 صباحًا السبت 12 محرم 1440 / 22 سبتمبر 2018.
Powered by Dimofinf CMS v4.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

التصميم بواسطة ALTALEDI NET